مجد الدين ابن الأثير
405
المختار من مناقب الأخيار
وقال الجنيد بن محمد : دخلت البادية بعقد التوكّل في وسط السّنة ، فمضت عليّ أيام ، فانتهيت إلى مجمع ماء وخضرة ، فتوضّأت ، وملأت ركوتي ، وقمت أركع ، فإذا شابّ أقبل بزيّ التجّار ، كأنّه قد غدا من بيته إلى سوقه ، أو يرجع من سوقه إلى بيته ، فسلّم عليّ ، فقلت : الشابّ من أين ؟ فقال : من بغداد . فقلت : متى خرجت من بغداد ؟ قال : أمس . فتعجّبت منه ، وكنت مضت عليّ أيام حتى بلغت إلى الموضع ، فجلس يكلّمني وأكلّمه ، فأخرج شيئا من كمّه يأكله ، فقلت له : أطعمني ممّا تأكل . فوضع في يدي حنظلة ، فأكلته فوجدت طعمه كالرّطب ، ومضى وتركني . فلمّا دخلت مكة بدأت بالطّواف ، فجذب ثوبي من ورائي ، فالتفتّ فإذا الشّابّ كالشّنّ البالي ، عليه قطعة عباء على عاتقه بعضه . فقلت له : زدني في المعرفة . فقال : أنا الشّابّ الذي سقيتني الماء ، وأطعمتك الحنظل . فقلت له : ما شأنك ؟ فقال : يا أبا القاسم ، داوونا ، حتى إذا أوجعونا قالوا : استمسك . رحمة اللّه عليهما ورضوانه . * * * وقال أبو عبد الرحمن المغازليّ : دخلت على رجل مبتلى بالحجاز ، فقلت له : كيف تجدك ؟ قال : أجد عافيته أكثر ممّا ابتلاني به ، وأجد نعمه عليّ أكثر من أن أحصيها . قلت : أتجد لما أنت فيه ألما شديدا ؟ فبكى ثم قال : سلّى نفسي ألم مابي ما وعد عليه سيّدي أهل الصّبر من كمال الأجور في شدّة يوم عسير . قال : ثم غشي عليه ، فمكث مليّا ثم أفاق فقال : إنّي لأحسب أنّ لأهل الصبر غدا في القيامة مقاما شريفا لا يتقدّمه من ثواب الأعمال شيء إلّا ما كان من الرّضا عن اللّه تعالى « 1 » .
--> ( 1 ) في ( ب ) : « منه » .